ابن ميثم البحراني

58

شرح نهج البلاغة

لكنّ الخاذلون له أفضل من الناصرين وأثبت المقدّمة بهاتين القضيّتين وحذف التالية للعلم بها ، وتقديرها : والأفضل يجب على من عداه اتّباعه والاقتداء به ، فينتج هذا القياس أنّه كان يتعيّن على من نصره أن يتبع من خذله . وهذا عكس اعتقاد المنكر . وقال بعض النقّاد : إنّ هذه كلمة قرشيّة ، وأراد بذلك أنّه عمّى على الناس في كلامه . قال : ولم يرد التبرّء من أمره . وإنّما أراد أنّ الخاذلين لا يلحقهم المفضوليّة بكونهم خاذلين له ، وإنّ الناصرين له لا يلحقهم الأفضليّة بنصرته . والَّذي ذكره بعيد الفهم من هذا الكلام . ويمكن أن يحمل على وجه آخر وذلك أنّه إنّما قرّر أفضليّة الخاذلين على الناصرين ليسلم هو من التخصيص باللائمة في القعود عن النصرة فكأنّه قال : وإذا كان الخاذلون له أفضل ممّن نصره . تعيّن عليهم السؤال عن التخلَّف ، وأن يستشهد عليهم بحال الناصرين له مع كونهم مفضولين . فلم خصّصت باللائمة من بينهم والمطالبة بدمه لولا الأغراض الفاسدة . وقوله : وأنا جامع لكم أمره . إلى قوله : الأثرة . أشار عليه السّلام في هذا اللفظ الوجيز إجمالا إلى أنّ كلّ واحد . من عثمان وقاتليه كانا على طرف الإفراط من فضيلة العدالة : أمّا عثمان فاستيثاره واستبداده برأيه فيما الأمّة شركاء فيه والخروج في ذلك إلى حدّ الإفراط الَّذي فسد معه نظام الخلافة عليه وأدّى إلى قتله ، وأمّا قاتلوه فلخروجهم في الجزع من فعله إلى طرف التفريط عمّا كان ينبغي لهم من التثبّت وانتظار صلاح الحال بينهم وبينه بدون القتل ، حتّى استلزم ذلك الجزع ارتكابهم لرذيلة الجور في قتله . فلذلك كان فعله إساءة للاستيثار ، وفعلهم إساءة للجزع ، وقيل : أراد أنّكم أسأتم الجزع عليه بعد القتل . وقد كان ينبغي منكم ذلك الجزع له قبل قتله وقوله : وللَّه حكم واقع في المستأثر والجازع . المفهوم من ذلك أنّه يريد بالحكم الواقع للَّه في المستأثر هو الحكم المقدّر اللاحق لعثمان بالقتل المكتوب بقلم القضاء الإلهيّ في اللوح المحفوظ ، وفي الجازغ هو الحكم اللاحق لقاتليه من كونهم قاتلين ، أو قالين وجازعين . وفي نسبة هذه الأحكام إلى اللَّه تنبيه على